الرغبة متوحشة والغريزة بريئة

أمل ممدوح

  هل الغريزة والرغبة مترادفان؟ يجيبنا هذا الفيلم بأنهما ليسا كذلك، وأن الفرق بينهما كبير، فيبرىء ما نراه مدانا ويدين من يبدو بريئا، تناول مختلف وخاص اشترك فيه الثنائي خيري بشارة مخرجا ووحيد حامد كاتبا للسيناريو عام 1991، في وضع رؤية مغايرة بأسلوب مميز في فيلم ظلمته طبقته الظاهرة التي قد تبدو تجارية، فلم ينل ما يستحقه من قراءة لطبقاته الأعمق، فالفيلم المأخوذ عن مسرحية “جريمة في جزيرة الماعز” للكاتب الإيطالي أوجو بيتي، يأخذنا بدءا من عنوانه “رغبة متوحشة” مترجما للإنجليزية بمعنى الصحراء والرغبة؛ لمضمون يبدو منحصرا في سخونته وفي العطش الجسدي، يوحي بموضوع تقليدي، بينما في طياته طبقات أخرى أكثر حداثية..

    يبدأ الفيلم بتتبع بطله ورحلته التي يدور حولها الفيلم من بدايتها، قبل أن نصل لركوبه القطار بحركة كاميرا توازي حركته لينعكس اتجاهها مع اتجاه سير القطار وقد ركبه، بما يجعلنا نركز على رحلة البطل، هذا الغريب الذي يصل بعد سفره الطويل لمنطقة صحراوية بدوية نائية، فنجده ينقض على ضرع عنزة وجدها أمامه، يلتهمه بنهم قاس قد يثير الاشمئزاز مع صوت تألمها، فهو منسجم مع الطبيعة وإن قست، وحشي مثلها، متكيف مع تغيراتها، بغريزة بقاء يقظة، إسمه “سيد غزال” (محمود حميدة)، فحتى إسمه يقترن بالطبيعة البرية، تبرز الصورة الطبيعة القاحلة للصحراء وسطوة الشمس الساطعة ولونها الأصفر على الرمال وقطعان الماعز، لنتتبعه متجها وسطها إلى حيث تقطن ثلاث نساء؛ أرملة مثقفة جميلة متوسطة العمر ( ناهد ـ نادية الجندي) وابنتها الشابة الصغيرة (وفاء ـ حنان ترك) وأخت الزوج المتوفي متوسطة العمر الأمية التي لم تتزوج (سميحة ـ سهير المرشدي)؛ اللاتي يعشن معا في أرض أهل الزوج/ الأخ/الأب، يقابلهن غزال ويخبرهن بأنه كان زميل رب هذه الأسرة الراحل في السجن، والذي كان مدانا بالجاسوسية وهربت أسرته هذه إثر الفضيحة، فغزال قادم من سجن وهن هاربات إلى سجن هذه العزلة، نعرف أن غزال جاء للبحث عن كنز من الدولارات خبأه الراحل في أرض الجزيرة، أخبره بأمره في السجن وعرفه طريقه موصيا بأن يكون شريكهن الرابع فيه، مما يستلزم إقامته معهن حتى ذلك الحين كواحد من الأسرة، مما يسكت الجميع بعد مقاومة فيسمحن ببقائه، لكن شيئا فشيئا تميل كل منهن بشكل مختلف لهذا الرجل الوحيد بينهن منذ زمن طويل، ليصبح محل نزاع ظاهر أو كامن

عطش وبئر

   في هذه البيئة العطشى التي يكسوها اللون الأصفر الباهت، الذي يتماهي معه حتى لون البيت الحجري حيث تعشن النساء الثلاثة؛ كل شيء يؤسس لفكرة الجدب والعطش، التي تتأكد في رد سميحة على تعليق من غزال عن قسوة هذه البيئة قائلة “العطش قاسي وقسوته باينة على كل شيء حوالينا”، ثم تجيبه عن سؤاله عن المطر”في في الشتا لكن المطر عمره ما يروي رمل، عطش الرمل عمره ما يتروي”، فهناك تأكيد على ثيمة العطش التي تولد بالتالي الاحتياج للارتواء، كنقطة ضعف ينبت منها السرد، لتتأكد ثنائيتا العطش والارتواء بصريا بوجود البئر في الصحراء في موقع مركزي، كنقطة حياة وبؤرة للصراع، يعادله غزال دراميا بالنسبة للنساء الثلاثة، ويحتاج ماءه أيضا غزال كما يحتاج الأنثى، فالاحتياج الغريزي الجسدي يتوازى مع الطبيعة البيئية التي تجسده بصريا، نرى غزال يغدق الماء على وجهه وجسده بمجرد وصوله، بإفاضة تؤكد على النهم للارتواء كما فعل مع العنزة، فهو يعبر بوضوح بربري عن احتياجاته وغريزته النهمة، في محيط الجزيرة نجد بضع نخلات قصيرات باهتات الاخضرار، وقطيع ماعز وجديان مخصية كما نعلم من السرد، مما يدعم حالة الجدب الذكوري في المكان، هناك أيضا حمار وحيد وكلب ودجاج، وبيت حجري تضم غرفه الداخلية وحدات بيئية وقناديل في معظم الأماكن، فكل المكونات أولية تنتمي للطبيعة، أما الماء فلا نراه إلا من البئر أو حوض الماعز في الحظيرة حيث يقيم غزال، ولا يأنف أن يستحم به.

ملامح الشخصيات

      “البشر أقل أخلاقية مما يعتقدون وأكثر فسوقا بكثير مما يمكنهم تخيله”، جملة لفرويد يمكن تذكرها عند استعراض غالبية شخصيات هذا الفيلم باستثناء من بدا أسوأها؛ “سيد غزال”.

                                                                                         غزال ..الكاوبوي البربري

   “سيد غزال” نصاب يعلن تهمته بصراحة وببساطة، مؤكدا أنه ليس لصا فهو لا يسرق إلا من يريد أن يُسرق، كما يؤكد في سياقات أخرى أنه ليس غدارا؛ قُدمت شخصيته في رداء شخصية الكاوبوي بطل الويسترن الأمريكي، بكل عالمها وروحها وارتحالها المتخفف دائما، ومذاق الرحلة وشكلها المصاحب لجعبته، وهو ما تؤكده لقطات فوتوغرافية لأفلام كاوبوي أثناء وقوفه على عتبة باب القطار في بداية رحلة مجيئه، لا تفارقه سيجارته من أول لقطة لآخر لقطة، فهي كل متعته التي يمتلك بها الحياة، نراها دائما قصيرة في يده توشك على الانتهاء دون نهاية، لا يحمل الكثير غيرها، ولا يحرص إلا عليها، حتى في لحظات موته الأخيرة كانت كل ما تمسك به بابتسامة لم تفارقه، ليتركها بإرادته في اللحظة قبل الأخيرة وكأنما قرر هو أن ينتهي منها لا الموت من أجبره، وكأنه أيضا من قرر أن يسلم نفسه للموت بإرادته، يتمسك فقط بسيجارته أو سيجاره، بينما يتخلى أحيانا عن الكنز ببساطة ويقرر الرحيل، فهو جاهز للتخلي دوما كمن امتلك كل شيء، لا يتعلق ولا يتمسك أو يتملك، ذو بسمة ساخرة وتعبير فاتر لا مبال، جاء يحمل حقيبة خفيفة، غالبا بثوب واحد أو اثنين يغسلهما، يستمتع بكل ما يفعل حتى لو كان الاستحمام في حوض الماعز، بسيط حر كالبراري لا يطيل الحسابات ولا يسرف في الاحتياطات ولا يجيد التنميق والمواربة.. ينام ويجلس كيفما اتفق غير عابىء، ولو في حظيرة مع الماعز، مستمتعا كيفما كان فهو متماه مع الطبيعة، بل يمثلها ويمثل تماما النزعة الطبيعية التي يتبناها الفيلم، كاتجاه أصدق وأكثر براءة وإن برزت ملامح الغواية والتشكك فيه، همجي، شهواني، مهمش، نصاب، غريب، سكير يحب الخمر، لكنه ليس معتد وليس الشرير، يمثل الغريزة الطبيعية المبرأة، في مقابل الغريزة المكتسبة غير المبرأة، وهي حب التملك التي سببت صراعات الفيلم ونهايته، فنرى صراع سميحة وناهد عليه، ورغبة سميحة في الاستحواذ عليه هو والمال معا، ورغبة وفاء في تملك أمها وتملكه، حتى يؤدي صده لها لوشايتها به لدى أمها انتقاما منه، وتفريقا بينهما، لتقتله الأم عقابا على خيانة لم يقترفها، أحب ناهد التي تخيلها من وصف زوجها لها، حبا غريزيا تحول لحب حقيقي باعترافها له بحبها، هنا يصبح رغم طبيعته اللا أخلاقية الظاهرية لها وحدها، فبينما كان محط شك المشاهد..كان البريء الوحيد والأكثر وضوحا وصدقا.

سميحة .. السذاجة والنهم

      ” سميحة” تبدو في أول ظهورها مع قطيع الماعز بثياب أشبه بالبدوية استمرت بها، تنم عن عمل دؤوب يدوي، ساذجة حتى في تخابثها الواضح فيفهمها الجميع، رغم بساطتها وطيبتها ونمطها التقليدي وإثارتها للتعاطف، تبدو الأسرع في الإقدام على السقوط والتسليم بشهوتها، واستخدامها في غواية سيد للحصول على الكنز وعليه، الأكثر وصولية وطمعا رغم هذه السذاجة، ورغم تعاطفنا معها، ما يتأكد حين تلتفت سريعا للكنز بجوار سيد فور موته.

وفاء .. البراءة وجموحها

    “وفاء” ابنة ناهد، فتاة ذات 16 سنة لم تغادرها البراءة حتى في ملامحها الخالية من الماكياج تقريبا، تدرس وترقص الباليه وتضع في غرفتها صورة لوالدها الذي لم تره، وتصدم فيه بمجيء غزال، بالتزامن مع ما فجره بداخلها من حرمان من فكرة الرجل في حياتها، لتختلط داخلها صورة غزال الرجل بصورتي الأب والحبيب، فتسعى للاستحواذ عليه، والاستحواذ على أمها أيضا، فتلجأ لحيلة شيطانية لتفريقهما والاحتفاظ بكل منهما لنفسها.

ناهد .. للتسامي وجه آخر

   أما “ناهد” فامرأة أرستقراطية  جميلة وقوية، ومثقفة وذكية، يأتي أول ظهور لها مع موسيقى شهرزاد لكورساكوف، تقدمها كامرأة لها خصوصيتها وعالمها الراقي، نراها تقرأ كتابا بالإنجليزية عن السلاطين، ملابسها جادة غير مبتذلة رغم اكتمال زينتها وأناقتها البعيدة عن روح البيئة، ترتدي ثيابا مهندمة لفارسة، مع قطع من الحلي الذهبية ترتديها وحدها من بين الإناث، لا نراها تعمل أبدا فقط تمسك البندقية فتصطاد الثعالب التي نرى عند سريرها فراءها، متعالية متسلطة مدللة ومميزة لذاتها، دائما تمسك بمظلة دون الجميع وتركب الحمار وحدها، بينما يمشي الباقون كما لو كانت ملكة مستعبِدة آمرة ناهية للجميع، وهم راضون راضخون بشكل مثير للتعجب، ومثير للتناقض مع ثقافتها الظاهرة، مما يشير لخواء هذه الثقافة وشكليتها، تتحدث عن التحضر محتقرة تصرفات غزال وهمجيته، وتحتقر سميحة وتصرفاتها معه، بينما تماثلت معها في رغبتها فيه، لكنها صاغت إطارا يرضي كبريائها بزواج سري، لتضيع في النهاية حبها بشك متسرع أفضى للقتل، فهي أيضا وجه لهمجية لم تهذبها ثقافة أو تحضر، وبينما كانت من غدرت كان غزال من أخلص ولم يغدر، لنرى المقدس مدنسا والمدنس مقدسا في تبادل أماكن، فهي من لوثت ماء البئر بالخمر عمدا في لقطة شديدة الإيحاء، لا غزال الذي كان يشربه ويحتفظ بزجاجاته في البئر مغلقة لتبرد دون تلويثه، فكأن ناهد ترمز لحضارة زائفة تجني على الطبيعة البريئة، فناهد هي الوجه المقابل لغزال، تجمعهما كثيرا لقطات متقابلة كضدين، كما أن الفيلم  بدأ به وحده وانتهى بها وحدها، تأكيدا على طرفية علاقتهما وتضادها.

الغريزة وصراع البقاء

      يطل من الفيلم  مفهوم “الليبيدو”الذي أطلقه فرويد على طاقة الحياة لدى الإنسان والمتمثلة في الغرائز الطبيعية، ومن بينها غريزة البقاء وأهم صورها الغريزة الجنسية، ومع ذلك لم يبد ظهور هذه الغريزة فجا مبالغا، بل خافتا موحيا، ولم يدِنْها الفيلم المتبني للاتجاه الطبيعي وإنما أدان ما صاحب ظهورها من من غدر وطمع وخيانة أو ادعاء أو تملك، ليموت في النهاية الإثنان الأكثر براءة وإن بديا مدانان ويبقى الإثنان الأكثر شرا وإن بدتا أكثر طهرا وتحضرا، ليكون العقاب المعنوي من نصيب الأحياء بشعور الندم تحقيقا لمبدأ العدالة الشعرية.

    صراع النساء الثلاثة في الفيلم جاء نوعا من صراع البقاء الذي فجره الدافع الجنسي، وهو ما يرجعنا لاسم المسرحية المأخوذ عنها الفيلم “جريمة في جزيرة الماعز” لأوجو بيتي، وكأنه يعني جريمة في جزيرة الغرائز ..حيث يعرف الماعز بقوة الغريزة الجنسية من جهة، وسهولة انقياده وتكيفه، فهو يأكل أي شيء ويجتر طعامه ويعيش في الصحراء، فهو مثال قوي لغريزة البقاء.

حالة أسطورية

       اعتمدت حبكة الفيلم على فكرتي الزائر الغريب الذي يحرك سكون النفوس، والكنز الذي يتوازى مع البحث عنه تكشف الشخصيات ومكنوناتها الحقيقية، فالحفر الظاهري في الأرض كان يوازيه حفرا في أعماق الشخصيات، كخبيئة توازي الكنز، التي كلما زاد الحفر فيهما اقتربت النهاية، فبظهور الكنز تكون الأجزاء المعتمة للشخصيات قد تم تفجيرها نحو ذروة المأساة، مقومات الحبكة بالإضافة للطبيعة النائية للمكان أضفوا غموضا ولمحة أسطورية على عالم الفيلم، أضافت لها الموسيقى الكلاسيكية الدرامية، كموسيقى شهرزاد لكورساكوف التي قدمت لشخصية ناهد، وموسيقى باليه لوركيانا الذي تفقد فيه البطلة حبيبها ثم يظهر آخر تحتار بينه وبين ذكرى حبيبها، فترقص عليها وفاء إثر معرفتها بحقيقة والدها وبدء إدخالها غزال لعالمها، ورقصة أخرى لها على موسيقى مقطوعة” كارمينا بورانا” لكارل أورف عن تناقضات القدر ومآسيه وعطائه وحرمانه كصراعاتها النفسية بظهور غزال، فتوظيف الموسيقى جاء يروي أبعادا أخرى من أعماق الشخصيات ودوافعها، وتطل أيضا الحالة الأسطورية بين طيات الحوار، من خلال رموز من الميثولوجيا الإغريقية في حوار بين ناهد وابنتها، تشير فيه ناهد لصندوق “بندورا” الذي انطلقت منه حين فتحته بندورا شرور الدنيا.

رموز طبيعية   

استخدم الفيلم استعارات ووحدات بصرية تخدم المضمون الدرامي والبنية التحتية للدراما بشكل جيد، وتضفي حالة أسطورية تناسب بنية الفيلم وتشكل علامات دلالية لقراءته، تعوض غموض الحوار وقلته، من ذلك استخدام مصادر الإضاءة الطبيعية، والقناديل في الإضاءة الليلية، وكشافات الأيدي في أيدي النساء الثلاثة ليلا وما توحي به من تلصص وتسلل، هذا التسلل الذي يكشف جزءا منهن أكثر مما يكشف ما يضئنه، يتم أيضا استخدام أصوات طبيعية بشكل دلالي، فنسمع نباح الكلب قبيل صراع قادم، حين يفجر غزال لوفاء سر والدها، ونسمع صوت الديك ونراه وهو ما يرمز للذكورة والنبوءة؛ بتزايد ظهور رغبة ناهد في غزال، حيث نراها تقف ليلا خلف نافذتها بقميص نومها تنتظره، ونرى الخنفساء السوداء تحفر في الرمل مع بدء حفرهم للكنز بما يرتبط به سلوكها بالروث والجيف، مما يعد نبوءة لشر قادم من هذه الحفرة، كما رأينا الغراب كنذير شؤم آت حينما كان غزال مع وفاء على الشاطىء، قبل أن تبدأ في استمالته ويرد بصفعها مثيرا لانتقامها الآتي، بالإضافة لصوت الرياح والطاحونة بما لهما من سطوة وإيحاء بالتوتر وعدم الاستقرار، هذه العلامات الاستقرائية الطبيعية جاءت مناسبة لبنية الفيلم الذي انتهج نهجا طبيعيا وليس واقعيا، ما يفسر نوعا من برودة الحوار وتجريديته وتسطيح الانفعالات والمواقف، لإبعادها عن السياق الواقعي المعتاد، فالمقصود تنحية المشاعر لصالح الحالة الحسية، ومن ذلك اللجوء لإيحاءات جريئة عن الرغبة الجنسية في مشهد بين غزال وسميحة، فالفيلم يتبنى الجانب الطبيعي كوجه الواقع المجرد والأصدق محيطا إياه بغموض جذاب، يميل فيه خيري بشارة لنزعته التسجيلية التي يفضلها، لتشكل رؤيته البصرية مع سيناريو ذكي عميق لوحيد حامد فيلما خاصا وموضوعا مختلفا رغم ما يبدو عليه في ظاهره.

Leave a comment

Blog at WordPress.com.

Up ↑

Design a site like this with WordPress.com
Get started