مستكة وريحان .. خلطة حية لعالم راكد

أمــل ممــدوح

    بين حالتي ضخ واغتراف..ملأ وتفريغ.. صاعد وهابط؛ تسري الحياة وتكون الرحلة، وبنفس الإطار البياني لهذا النمط الحياتي ومن خلاله تعارفا “مستكة” و”ريحان”، عبر الشرفة أثناء رحلة ذهاب وإياب سلة الطلبات اليومية في البيوت المصرية “السبَت”، وذلك في الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة دينا عبد السلام، الذي حمل اسمي بطليه”مستكة وريحان”، وعرض في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، وإن ظل قريبا للفيل القصير فمدته ساعة تزيد دقيقة أو اثنتين، سبقته أفلام قصيرة لها كان آخرها فيلمها التسجيلي القصير “كان وأخواتها”، الذي فاز بجائزة أفضل فيلم قصير في الدورة الأخيرة للمهرجان القومي للسينما، لتعود هنا دينا عبد السلام بإطلالة لشغفها التسجيلي لكن ضمن  الحالة الروائية، فدائما ما ترتبط بالواقع في صورته البسيطة ملتقطة إحدى بهجات روحه الملتحفة بالشجن أو لمحة شجنية مغلفة بالبهجة، كملمح تفضله لروح حياة دئبة مدفوعة بشغف الطريق رغم وعورته.. وضحكته رغم شحها، تلك التي ما إن تفرغ حتى تمتلىء كصلاة للبقاء

     مستكة وريحان.. مذاق ورائحة، كلاهما من صنع الطبيعة وله رائحتها، ليبدو بين الإسمين خيط رابط كشريكين ضمن حاستين مترابطتين، وهما هنا أيضا قطبين للطبيعة؛ رجل وامرأة.. نصفان لتكاملية الحياة ، يشتركان إنسانيا لا عاطفيا في ملامح مرحلة طبيعية للعمر ، حيث تفرغ الحياة من المهام الكبرى لتبدو مهام العيش اليومي هي كل المهام، فتبدو الحياة في شكلها المجرد المنوالي ومتطلباتها الأولية الهادئة دون فلاتر أو مشوشات، يوحي سمهما كذلك بثنائية مشاغبة وتناوش خفيف الظل كالقط والفأر عهدناها في الحكايات الفكاهية، مستكة امرأة قد تكون في السبعينات من عمرها وريحان في عمر مقارب، جاران في نفس العمارة بمدينة الإسكندرية يعيش كل منهما بمفرده بعد استقلال الأبناء بحياتهم، يبدأ الفيلم بلقطات منفصلة تسير في مونتاج متوازي يستمر طوال الفيلم يبين حياة كل منهما في منزله ومراحل تغير شكلها بمعرفة الآخر، فالفيلم معظمه يدور داخل شقتيهما مع لقطات ضمن حيز العمارة وشارعها الأمامي يظهر فيها بواب العمارة “رمضان” أو بائع النعناع ذات مرة الذي بدأ به الفيلم مارا بجوارها، فنرى عالم مستكة الذي تنهمك فيه، حياة خالية إلا من مهام العيش الآني لكنها تستمتع بها، تطهو “المحشي ” باستمتاع مستمعة للراديو كرفيق أثير ببرامجه الحيوية التي تتطور وتتغير على مدار اليوم عاكسا التغير الوهمي أو السير وسط الثبات كحياتها، يكاد لا ينطفىء لكن تنوع برامجه دالة على مرور الوقت، تماما كتدفقها المتمسك بالبهجة وسط حياتها التقريرية ، بعكس حياة ريحان المشابهة نظريا لوضع حياتها لكن مع فارق التعاطي معها، فوحدة مستكة تكسوها روح الأنثى القادرة على الخلق وإلباس الحياة ثوبها وإن كانت شحيحة العطاء، فوحدتها تمتلىء بالحواس؛ الطعام الشهي الساخن المطهو بعناية حتى تكاد تشم رائحته،  صوت الراديو وأغانيه المبهجة، تطريز المفارش وحياكة أشياء بأشكال وألوان مبهجة، تستخدم الطرق والأدوات القديمة بارتياح كإشارة لحالة أصيلة، بإنتاج دئب للحياة والجمال وحالة أنثوية حاضرة تعادل جمود الحياة، لا مجرد محاولة للتعايش كما نرى لدى ريحان الذي نشعر بوحدته الكبيرة وسطوة حالة السكون والصمت في حياته، فحتى تحايله على وحدته تحايلا جامدا لا يضيف للمشهد وحقيقته شيء، فقطه زعتر ونيسه الوحيد كسول صامت، يشاركه ريحان في طعام لا يأكله ويقدم الطعام لصبي دامع في لوحة في حالة رمزية بدت مبالغة بطفولية، يحل الكلمات المتقاطعة مسامرا زعتر الصامت، يتحدث مع نفسه وكائناته الافتراضية، لا يجيد الطهي بما يحمله ذلك من دلالة فقدانه لمذاق الحياة، لكنه يستمر راضيا مبتسما، اختلافات التعاطي بادية بينما الروابط المشتركة بصريا قوية جيدة التوظيف، فكلاهما تحيطه الصور بعيدة الزمن بالأبيض والأسود، يدير هو آلة موسيقية معلقة على الحائط تنتج بعض الصوت وتدير هي موسيقى من علبة نسائية تعلوها راقصة ، “أباجورة” تجلس بجوارها في لقطة لتقطع للقطة أخرى يجلس فيها ريحان مثل جلستها بجوار أباجورة مماثلة ( وإن كان هذا التطابق مفتعل ووغير منطقي في الحقيقة) ، فقصتهما واحدة لكن المنهج يختلف، يكون بدء تواصلهما الحديث والأقوى من خلال الشرفة، حيث نجد “السبت” الصاعد والهابط من شقة ريحان التي تعلو شقة مستكة والمار بها رابطا بصريا بينهما وبين حياتهما المتشابهة، فتأتي اللقطة من الداخل من شرفة مستكة مارا بها حبل “سبت ” ريحان يوحد بين حالتيهما، ليستمر المونتاج المتوازي مع تطور علاقتيهما تدريجيا بشكل طبيعي سلس نرى فيه احتياج كليهما لبعضهما وارتباطهما بهذا الاحتياج، ونلحظ بموتيفات بصرية اختلاف دينانتيهما دون تأكيد لفظي مفرط على ذلك، صليب صغير عابر على إحدى التماثيل البسيطة في شقة ريحان يليه في شقة مستكة لوحة لامرأة ترتدي غطاء شعر لا يبدو مقتحما بل مصبوغا بالبيئة المصرية الريفية، فهناك حالة تكامل إنساني على محورها الأضيق من حيث الاحتياج للرفقة وعلى محاورها الأوسع؛ رجل وامرأة .. مسيحي ومسلمة، فالحالة تدعم ثنائية التكامل بحيث يبرز المحور الإنساني الشعوري الأقرب عن التصنيفات المحيطة الأخرى

    تتراجع في الفيلم الحالة الروائية لصالح حالة أقرب للتوثيقية مدعمة بتفاصيل الصورة الطبيعية دون رتوش، فكلا المنزلين يبدوان واقعيين بالحالة الطبيعية المعتادة لبيوت الأسر المصرية المتوسطة، لا صورة منمقة ولا أثاث يبدو مستعارا أو معدا للتصوير أو مبالغا فيه، فكل شيء ينطق بالطبيعية كأنك داخل بيت أسرتك أو أحد أقاربك ، أيضا لا كادرات شديدة العناية والتنميق .. بل كادرات توحي بتلقائية التصوير لكن بشكل منضبط، الإضاءة أيضا عادة طبيعية أو ذات مصدر من مكونات المشهد، أكثر اللقطات متوسطة إلى قريبة تبين تعبيرات الوجوه وتبين الأشياء في الصورة، فالأشياء المحيطة وتفاصيل المكان بطل أساسي في حالة الفيلم الناطقة بالصدق الواقعي والساعية له، ورغم قلة دراما العمل والأحداث الحقيقية حيث أنه فيلم ينتمي لفئة اليوميات أو الحياة اليومية إلا أنه غني بتفاصيل الصورة وحيويتها مع شريط صوت جذاب نابع من بيئة العمل سواء بأصوات الأشياء التي يضمهما البيتان أو صوت المذياع بأغان مألوفة شديدة الارتباط بالحياة المصرية، مع حوار طبيعي جذاب وسلس على بساطته لدينا عبد السلام وأشرف مهدي بمذاق الحوارات اليومية، وهو ما كان مقصودا ومتماشيا مع طبيعة بناء الفيلم واختياره، فالحوار هنا في شكله التلقائي الانسيابي هو الهدف لا مضمونه، كل ذلك قدمته دينا عبد السلام مخرجة ومؤلفة الفيلم بإيقاع متدفق حيوي وبجاذبية تبقي مشاهدها مستمتعا وإن قلت الدراما والأحداث، مختارة قالبا يضم شجنا في إطار مرح بدءا من التتر الكرتوني الكوميدي حتى نهاية الفيلم، تراقبهما الكاميرا وتتبعهما في المنزل طوال الوقت حتى إذا خرجا لم تتبعهما للخارج بل تبقى الكاميرا في مدخل العمارة منهية الفيلم ببسمة للبواب كأنها في انتظار عودتهما، فالحكاية داخل العمارة في عالمهما الوحيد وحيزهما الضيق المنتهيين إليه.

ولابد سيتساءل المشاهد في حيرة إن كان الأبطال ممثلون محترفون أم شخصيات حقيقية ؟ فقد اختارتهم المخرجة وجوها جديدة على الشاشة من الممثلين تحقق ما أرادت من مزج الواقع بالروائي وتقديم الروائي بمذاق واقعي تسجيلي تتميز في منطقته ، وقد أبدعت بينهم بطلة الفيلم عزيزة فاضل “مستكة” بشكل كبير فقدمت تفاصيل الشخصية بتلقائية مدهشة وطبيعية ممتعين تجعلاك ترتبط بها وتشعر بأنها شخصية مألوفة في حياتك، بينما لم يصل علي درويش “ريحان” للمستوى المطلوب من الإجادة والصدق لهذه الشخصية التي كانت تحتاج صدقا أكبر وروحا أقوى وأداء يتناسب مع الحالة التلقائية خفيفة الظل المفترضة للحوار، بالإضافة لاتسام  أجزاء من حواره نفسه بتعمد الإضحاك لا الإضحاك مما يبعدها أكثر عن المساحة الطبيعية المفترضة، وكان للممثل ماجد عبد الرازق  حضور قوي في دور البواب بأداء طبيعي بسيط بملامح معبرة قريبة بخفة ظل تلقائية، لنخرج بفيلم جيد البناء ممتع الفرجة، ببساطة تشمل كل عناصره برؤية فنية متسقة.. يتسلل لمشاهده بسلاسة الماء وبألفة بسيطة تحسب له .

Leave a comment

Blog at WordPress.com.

Up ↑

Design a site like this with WordPress.com
Get started